" كل الموجودين لفوا ناحية الصوت، وشافوا بنت شابة واقفة جنب الباب، لابسة فستان رمادي بسيط وطرحة قديمة متلفوفة حوالين شعرها. كانت اسمها مريم، خدامة في القصر، بتشتغل في المطبخ من الفجر لحد آخر الليل، تغسل الأطباق، وتنضف الحلل التقيلة، وتشيل الصواني، وتمسح أرضيات الرخام اللي البنات واقفين عليها بفخر.
إيديها كانت حمرا من كتر الميه الباردة والصابون، وأطراف صوابعها فيها تشققات صغيرة من كتر الشغل، وكفوفها خشنة من التعب اللي شافته كل يوم. وقفت مريم في مكانها مستنية الرد، وهي حاسة إن كل العيون اتعلقت بيها. ولثواني، ساد الصمت في القاعة كلها. وبعدين، انفجرت البنات بالضحك!
فرح حطت إيدها على بُقها وهي بتضحك باستهزاء، وقالت: "إنتِ بتتكلمي جد يا بت؟ إنتِ بصيتي على إيديكي قبل ما تطلبي الطلب الغريب ده؟!" جمانة بصتلها من فوق لتحت وقالت بسخرية: "ده أنا إيدي الناعمة اللي عمري ما شلت بيها غير الشنط الغالية، معرفتش أدخلها في القفاز!
أمال إنتِ اللي إيديكي متشققّة من غسيل المواعين هتدخليها إزاي؟!" بنت تالتة ضحكت وقالت: "هي فاكرة نفسها هتبقى ملكة عشان تخلص من مسح الأرضيات وغسيل الحلل؟ يا عيني على الأحلام!" الضحك زاد، وبعض البنات بقوا يشاوروا على إيدي مريم ويتريقوا على فستانها القديم.
لكن مريم ما ردتش، وفضلت واقفة بهدوء، رغم إن كلامهم كان بيوجعها. هي ما كانتش بتحلم بالعرش ولا بالدهب ولا بالمجوهرات، كل اللي كانت عايزاه إنها تعرف إذا كانت الحكاية اللي سمعتها من زمان عن القفاز حقيقية ولا مجرد أسطورة.
الملك محمود، اللي كان قاعد على كرسيه المزخرف في آخر القاعة، اتعصب من المنظر، وخبط بعصايته على الأرض وقال بغضب: "كفاية مهزلة! إنتِ يا بنت، ارجعي المطبخ بتاعك فورًا، وإنتِ مالك أصلًا بالحاجات دي؟!" مريم نزلت عينيها في الأرض، وحست إن كرامتها اتجرحت قدام كل الناس، وبدأت ترجع لورا عشان تنفذ أوامر الملك.
لكن قبل ما تتحرك، الأمير أدهم وقف من مكانه وقال بصوت ثابت: "استنى يا بابا!" الملك بص لابنه باستغراب، والأمير كمل كلامه وهو بيبص لكل الموجودين: "حضرتك بنفسك أعلنت إن أي بنت شابة مش متجوزة في المملكة من حقها تجرب القفاز، وقلت إن الاختيار هيكون من غير تفرقة بين بنت غنية وبنت فقيرة.
إيه اللي يخلي مريم ممنوعة من المحاولة؟" الملك اتفاجئ من كلام ابنه، ووشه اتغير، لكنه ما قدرش يرد بسرعة، لأن الأمير كان عنده حق. الأمير بص لمريم وقالها بنبرة هادية: "اتفضلي يا مريم، جربي." مريم رفعت عينيها ببطء، وبصت للأمير للحظة، وبعدها اتحركت ناحية المنصة بخطوات مترددة.
كل الموجودين سكتوا، والبنات اللي كانوا من شوية بيضحكوا بقوا مستنيين يشوفوا هتعمل إيه. مريم وقفت قدام القفاز الكريستال، ورفعت إيديها الخشنة بحذر، وهي بتفتكر كل يوم قضته في القصر، وكل مرة اضطرت فيها تتحمل الإهانة وتسكت عشان لقمة عيشها. مدّت إيدها الأولى ناحية القفاز، وبعدها رفعت إيدها التانية.


النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.