في المساء، رجعت القصر، ولقت أدهم مستنيها في الحديقة، ومعاه صندوق صغير. مريم بصت له باستغراب. "إيه ده؟" أدهم فتح الصندوق، وكان جواه سوار بسيط من الفضة، عليه زهرة لوتس صغيرة. "مش تاج، ومش مجوهرات ملكية، ومش حاجة هتحدد مستقبلك. شفته وافتكرت أمك، وافتكرتك." مريم مسكت السوار، وابتسمت. "جميل أوي." أدهم قال: "كنت عايز أديكي حاجة تفتكرك إننا اخترنا بعض بإرادتنا، وإن الاختيار ده لازم يتجدد كل يوم." مريم لبست السوار، وبعدها قربت منه واحتضنته. "أنا اخترتك النهارده، وهختارك بكرة، وطول ما إحنا بنحترم بعض ونسمع بعض." أدهم ضمها إليه، والحديقة كانت هادية تحت ضوء القمر. وفي اللحظة دي، مريم افتكرت البنت اللي كانت واقفة وسط القاعة بفستان رمادي قديم، وإيديها المتشققة، والناس كلها بتضحك عليها. لو كانت تقدر ترجع بالزمن وتكلم نفسها في اللحظة دي، كانت هتقول لها إن الضحك مش نهاية الحكاية، وإن الإهانة مش حكم أبدي، وإن الإنسان ممكن يخرج من أصعب أيامه وهو أقوى وأكثر رحمة. كانت هتقول لها إن الحقيقة ممكن تتأخر، لكنها تستحق إننا ندور عليها. وإن العيلة مش مجرد اسم في سجل، لكنها ناس تختار تقف جنبك لما الدنيا تضيق. وإن الحب الحقيقي مش شخص يرفعك فوق الناس، لكنه شخص يمشي جنبك ويخليك تشوفي نفسك من غير خوف. أما القفاز الكريستال، ففضل في المتحف، يلمع تحت الأضواء، لكن مابقاش حد بيعتبره حكمًا على مصير البنات.
بقى رمزًا لدرس اتعلمته المملكة كلها: إن العدل أهم من التقاليد، وإن التواضع أقوى من الغرور، وإن إيدين الشغل والتعب مش أقل جمالًا من إيدين مزينة بالمجوهرات. وفي آخر كل يوم، لما كانت مريم تدخل غرفتها وتبص لصورة أمها المعلقة جنب الشباك، كانت تبتسم وتهمس: "أنا عرفت الحقيقة يا أمي، ورجعت بابا، وخليت اسمك يرجع لمكانه. ويمكن مقدرتش أرجع السنين اللي راحت، لكن وعدك ليا ما ضاعش." كانت بتحس إن أمها بتبتسم لها من الصورة، وإن الحكاية اللي بدأت بضحك واستهزاء انتهت بأمل وكرامة وحب. وهكذا، البنت اللي دخلت القصر يومًا وهي شايلة صينية أطباق، خرجت من أصعب امتحان في حياتها وهي مش بس أميرة، لكنها إنسانة عرفت قيمة نفسها، وغيّرت حياة ناس كتير، وخلت المملكة كلها تفهم إن أعظم تاج ممكن يلبسه الإنسان هو ضميره، وإن أجمل قصر ممكن يعيش فيه هو قلب مطمئن، وإن السعادة الحقيقية مش في إن القدر يختارك، لكن في إنك تفضل تختار الخير حتى لما الدنيا كلها تختبرك.
تمت
حكايات الكاتبة انجي الخطيب


النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.