سألتها وأنا حاسس إن قلبي بيتقطع: ـ طب هي كانت عايشة فين قبل ما تيجي هنا؟ ردت: ـ كانت بتشتغل في محل ملابس، وبعدها اشتغلت في تنظيف البيوت. كانت بتصرف على نفسها وعلى بنتها بالعافية. ولما صحتها بدأت تسوء، ما بقاش عندها مكان تروح له. حطيت إيدي على راسي.
مريم كانت بتشتغل وبتتعب وبتحارب الدنيا لوحدها، وأنا كنت بشتري ساعات تمنها ملايين! كملت نادية: ـ في الأول، كانت بترفض أي مساعدة. كانت بتقول إنها هتقدر تقف على رجليها، وإنها مش عايزة بنتها تحس إنها عبء على حد.
لكن حالتها الصحية اتدهورت، واضطرت تيجي هنا بعد ما بقت مش قادرة توفر لملك رعاية مستقرة. سكتت لحظة، وبعدين قالت: ـ مريم كانت بتتكلم عنك كتير. رفعت عيني بسرعة. ـ كانت بتقول إيه عني؟! نادية بصتلي بحزن.
ـ كانت بتقول إنك كنت بتحبها، وإنك في يوم من الأيام كنت شخص كويس، لكنك خفت من المسؤولية وهربت. وكانت دايمًا تقول إن ملك مالهاش ذنب في اللي حصل بينكم. حطيت وشي بين إيديا. حتى وهي مكسورة بسببي، كانت بتحاول تبررلي!
لكن السؤال اللي كان بيمزقني من جوايا لسه من غير إجابة. ـ مريم ماتت إزاي؟! نادية أخدت نفسًا عميقًا وقالت: ـ قبل وفاتها بشهور، اكتشفت إنها مصابة بمرض خطير. الأطباء حاولوا يعالجوها، لكنها كانت وصلت لمرحلة صعبة.
كانت بتروح المستشفى وتيجي، وكل مرة ترجع تسأل على ملك قبل ما تسأل على نفسها. حسيت إن دموعي بدأت تنزل غصب عني. ـ وأنا؟! هي حاولت تتصل بيا؟! نادية فتحت الملف، وطلعت منه ورقة قديمة.
ـ حاولت. بصيتلها بلهفة. ـ إمتى؟! ـ بعد ما ولدت ملك بفترة قصيرة، حاولت توصل لك، لكن رقمك كان اتغير. وبعد كده عرفت من حد إنها حاولت تسأل عن مكانك، لكن ما قدرتش توصل لك بشكل مؤكد. حسيت بالخزي. كنت فاكر إنها لو احتاجتني هتتصل!
لكن الحقيقة إنها حاولت، وأنا اللي كنت بعيد عن حياتها لدرجة إنها ما قدرتش توصل لي. نادية كملت: ـ وقبل وفاتها بأيام، كتبت جواب ليك، وطلبت مني أحتفظ بيه. قالتلي ما أسلمهوش ليك إلا لو جيت بنفسك تدور على ملك، وإنك لو ما جيتش، ما أضغطش على البنت إنها تستناك طول عمرها.
بصيت لملك. كانت قاعدة جنبي، بتلعب في زرار قميصي، وكأنها مش فاهمة إن الكلام اللي بتسمعه عن أمها ممكن يغيّر حياتها كلها. سألت نادية: ـ هي عارفة إن أمها ماتت؟ هزت رأسها بحزن. ـ عارفة إنها راحت عند ربنا، لكننا بنحاول نشرح لها الموضوع على قد سنها.
لسه كل ليلة قبل ما تنام، بتسأل لو أمها ممكن ترجع لها. غمضت عيني. يا رب! أنا ما خسرتش حبيبتي وبس. أنا حرمت بنتي من أمها، وحرمت نفسي من إني أكون موجود جنبها. وفجأة، ملك رفعت وشها وبصتلي.
قالت بصوت صغير: ـ بابا، هو أنت هتمشي تاني؟ السؤال كان أبسط من إني أستحمله. حطيت إيدي على خدها وقلت: ـ لأ يا حبيبتي. مش هسيبك. لكنها ما ابتسمتش. بصتلي بشك، وقالت: ـ مامي كانت بتقول إنك هتيجي يوم ما تبقى عارف إنك بتحبني.


النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.