وأنا راجعة، سمعت حمايا بيزعق لحماتي جوه الأوضة بصوت واطي: — “…خلاص بقى يا ست أنتِ! البت سمر وجوزها جايبينلك الفاكهة وجايين يتطمنوا عليكي، وأنتِ السبب في كل اللي حصل! نازلة شفط فيهم عشان حسين الصايع لحد ما طيرتي ابنك من إيدك!
اتقي الله بقى وسيبيهم في حالهم!” حماتي كانت بتعيط بصوت واطي وتقول: “أنا كنت فاكرة الفلوس كتير معاهم…” دخلت الأوضة وحطيت الترمس، وعملت نفسي ما سمعتش حاجة. الدكتور دخل وقال إنها أزمة ضغط بسبب التوتر وشوية برد، ولازم ترتاح وما تتوترش تاني عشان ما يجيلهاش جلطة.
بعدها بأسبوع، المحل اتفتح.. حسين واقف باليونيفورم الأزرق بيصلح الموبايلات بجدية، والزبائن دخلت وخرجت. حماتي وحمايا جُم وقفوا على باب المحل يتفرجوا من بعيد.. حماتي شافت اليافطة المكتوب عليها إسم المحل، وشافت رخصة المحل المعتمدة المكتوب فيها إسم **”سمر”** كمالك وحيد. كتافها نزلت لتحت، وعرفت إن العصر القديم انتهى خلاص.
إبراهيم قرب مني على باب المحل، ومسك إيدي قدام أهله وقدام الدنيا كلها، وقال بنبرة مليانة يقين: — “شكراً يا سمر.. أنتِ مش بس حميتي فلوسنا، أنتِ عملتي مني راجل بجد.” الراجل طلع الفلوس وهو بيضحك ومبسوط: — “الله ينور عليك يا ابني، إيدك تتلف في حرير!
لو التليفون هنج تاني هاجيلك على طول!” حسين سلفي أخد الفلوس، وحطها في الدرج باهتمام، وكتبله ورقة وإداهاله: — “عيني يا حاج، خذ الوصل ده معاك.. ولو البطارية عملت أي حركة كده ولا كده خلال 3 شهور، هات التليفون ونغيرهالك على طول من غير ولا مليم.
” بعد ما ودّع الزبون، حسين لف وش وحك دماغه وهو باصص لأبوه وأمه، وكان عايز يفتح بؤه بحاجة بس تردد، وفي الآخر ملقاش غير إنه يقول: — “يا بابا.. يا أمي.. تشربوا حاجة ساقعة؟” في اللحظة دي بالذات، عيون حماتي أم إبراهيم احمرت فجأة ومن غير أي مقدمات.
لفت وشها الناحية التانية، ومسحت عينها بطرف طرحتها، وقالت بصوت خافت ومخنوع: — “…مش قادرة أشرب.” ما مدحتش وما ذمتش، وما فتحتش بؤها ولا جابت سيرة “المحل ده باسم مين”. كانت واقفة بس بصة لابنها الصغير..
الابن اللي قعدت أكتر من نص عمرها شايلة همه، وغاضبة عليه لأنه مش عارف يمسك شغلانة ولا يبقى راجل، وشايفاه دلوقتي لابس العفريتة الكحلي والعرق نازل على قورته ومسك المفك في إيده زي أي أسطى ورشة جدع. يمكن الحقيقة دي بالنسبة لها كانت أصعب وأقوى من أي كلام أو زعيق.
في اليوم ده، أهله ما قعدوش في المحل غير يجي نص ساعة ومشيوا. وهما طالعين من الباب، حماتي وقفت عند العتبة، وادتنا ظهرها وقالت بصوت واطي جداً: — “…ربنا يعينكم.. ويسدد خطاكم.” ما عرفتش هي بتقول الكلام ده لحسين ولا لينا إحنا الاثنين.
بعد ما مشيوا، حسين قعد على الكرسي وأخد نفس طويل من قلبه وضحك: — “والله كنتم مرعبيني.. كنت فاكر أمي هتنزل عليا تقطيب وزعيق تاني!” إبراهيم جوزي طبطب على كتفه وقاله: — “الله ينور عليك يا حسين، برافو.
” كنت واقفة ورا الفترينا، بصة للرش والقرشين اللي اتجمعوا في درج النقدية، وبتفرج على شمس العصر وهي داخلة من الباب الإزاز ومنورة بلاط المحل. دي كانت بداية.. صغيرة وتبان متواضعة، بس حقيقية ومن عرق الجبين.
بالليل، وبعد ما قفلنا المحل، قعدنا نعمل حسبة بسيطة لإيراد اليوم الأول: المحل جاب من الصيانة وتغيير الشاشات والجرابات 370 جنيه. وبعد ما طلعنا مصاريف البضاعة، صفينا ربح فوق الـ 100 جنيه. حسين قال وهو زعلان شوية: — “بس الفلوس دي مش هتكفي الإيجار يا إبراهيم.


النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.