” إبراهيم غمض عينه، ولما فتحها كان فيها نظرة راجل بيراهن بأخر كارت في حياته: — “أمي،” .. اتكلم بصوت هادي بس ناشف ومفيهوش خضوع .. “أنا مش هطلق سمر. وخصيصاً موضوع محل حسين، القرار اللي اتأخد مش هيتغير.” — “قرار إيه؟ جبت الفلوس؟” .. حماتي صوتها طلع فيه حتة أمل.
— “لا يا أمي.” .. إبراهيم اتكلم بالكلمة الحرفية .. “سمر هتدفع الثمانين ألف، بس المحل هيكون باسمها وهي المالك، وحسين يشتغل فيه بمرتب ونسبة حسب شقاه وعقده. ده الشرط الوحيد للتعاون.. قبلتم، أهلاً وسهلاً. ما قبلتوش، يبقى الموضوع اتقفل، ومحدش يطلب منا جنيه تاني لحسين.” السماعة سكتت نص دقيقة كاملة!
وبعدها انفجر صريخ حماتي: — “إبراهيم! البت دي عملتلك عمل؟! إزاي تتكلم مع أمك كده؟! أنا ربيتك على الفاضي يا جاحد! استنى عليا، أنا وأبوك نازلينلك دلوقتي وريني هتقول الكلام ده في وشنا إزاي!” إبراهيم اتنفس بعمق وقال بنبرة أول مرة أسمعها منه: — “أمي، لو جايين عشان تزعقوا وتعملوا مشكلة، الباب مش هيتفتح.
القرار ابلّغ لأبويا، وفكروا وشوفوا هتعملوا إيه.. مع السلامة.” وقفل الخط في وشها من غير ما يستنى شتيمة تانية! إيديه كانت بترتعش، بس وشه كان ثابت بشكل مش طبيعي. وسقط على الكنبة وهو بينهج والعرق نازل من جبهته. قربت منه، ولأول مرة من أيام، مسكت إيده الساقعة الرطبة.
بصلي وعينيه حمر.. وأنا عرفت إن المكالمة دي سحبت كل شجاعته، بس في نفس الوقت، الطفل اللي كان بيستخبى ورا أمه مـ,ـات، ومكانه ولد راجل حقيقي بيعرف يحمي بيته. حماتي ما اتصلتش تاني، وما جاتش زي ما هددت.
. واضح إن موقف إبراهيم الحاسم خضها وخلا حمايا يفرملها. مرت الأيام، والمايه بدأت ترجع لمجاريها بالراحة. إبراهيم بدأ يتغير، مش بكلام، بل بأفعال: يرجع في ميعاده، يشيل معيا شغل البيت، ومبقاش يرد على استغلال أهله، وكل حاجة بقت على المكشوف بيننا.
وبعد أسبوعين، حسين سلفي وافق ينزل يشتغل في المحل تحت شروطي! صديقي المحامي جهز العقود: المحل باسمي (سمر)، وحسين مدير تنفيذي بمرتب 3 آلاف جنيه ونسبة من الأرباح لو المحل كسب، وأي تقصير يحق لي رفصله.
حسين جه قعد ووشه في الأرض، ووقع وهو مقهور بس مجبور، وقال وهو مخنوق: — “أنا هوريكي يا سمر إني مش صايع.” رديت ببرود: — “أنا مش عايزاك تثبتلي حاجة يا حسين.. أنا عايزاك تاكل عيش بعرقك وتفكك من شقا أخوك.
” المحل اتأجر في منطقة شعبية شغال فيها صيانة موبايلات وإلكترونيات. الثمانين ألف قسمتها صح: قسط إيجار وتأمين، وقسط توضيب وشراء بضائع، وقسط سيولة للمحل. وإبراهيم كان بينزل معايا ويساعد في التوضيب والإشراف على العمال بكفاءة مهندس محترم، وكنا نشتغل أيد واحدة. وفي يوم..
رن تليفوني وكان المتصل حمايا: — “سمر يا بنتي… الحقوا أمك أم إبراهيم، الضغط علي عليها ونقلوها المستشفى!” إبراهيم كان في اجتماع، بس أول ما عرف اتخض.. قلتله: “أنا جاية معاك.” بصلي بذهول: “سمر، مش لازم تضغطي على نفسك…” قلتله: “أنا مش رايحة عشان أُمك.
. أنا رايحة عشانك أنت، وعشان بيتنا.. مش هنفضل هربانين من المشاكل العمر كله.” في المستشفى، كانت حماتي نايمة على السرير ووشها أصفر ومتركبلها محلول. حمايا أول ما شافنا اتمسك بينا، وحماتي لما فتحت عينها وشافتني داخلة بسلة فاكهة وبقولها “ألف سلامة عليكِ يا طنط”، وشها اتأثر وبان فيه الخجل والكسرة!


النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.