” ـ “أنا حاولت أقولك، بس سكرتيرتك منعتني أدخل لك المكتب، ولما كلمتك في التلفون قفلت السكة في وشي قبل ما أكمل جملتي.. انت ما عرفتش مش لأني خبيت يا أدهم، انت ما عرفتش لأنك عمرك ما أردت إنك تسمع!
” قلعت يارا خاتم الجواز من إيدها بالعافية لدرجة إنه جرح صباعها، وحطته على الطاولة جنب العقد الألمظ:ـ “أدهم.. إحنا لازم ننفصل ونطلق.” عينيه اتسعت بغضب وانقبــ,,ـــــضت حدقتهم: ـ “انتِ منفعلة ومش في وعيك! ما بقالناش 24 ساعة متجوزين!” ـ “وده الأفضل.. عشان ما نسيبش فوضى أكتر نضطر ننضفها بعدين.
” أدهم وشه اسود وقال بغرور: ـ “يارا، بلاش تستخدمي الطلاق كتهديد ليّ.. قولي لي عايزة كام فلوس زيادة وخلاص؟” يارا لمت شنطة هدومها الصغيرة وأخدت أوراق أمها وجت تمشي، مسك إيدها بالراحة وبنبرة فيها ترجف لأول مرة: ـ “انتِ ماشية ورايحة فين؟
” سحبت إيدها بقوة وقالت بجمود وكرامة: ـ “مكان ما أروح.. مابقاش لك دعوة بيا.” خرجت ورزعت الباب وراها، ودوى جوة الفيلا صوت تحطيم زجاج عالي وحاجة بتتكسر، بس هي ما بصلتش وراها ولا خطوة ولا التفتت.
على قارعة الطريق برة الفيلا، كانت شمس شهر يونية تحــ,,ـــــرق الأرض والإسفلت، بس يارا كانت حاسة ببرد شديد وبترتعش من كتر الحزن والفقد. قعدت على الرصيف وحاطة الشنطة في حــ,,ـــــضنها. توقفت عربية رمادي، وخرج منها شاب طويل، بقميص أبيض وبنطلون أسود، باين عليه التعب والإرهاق.
إنه “دكتور أمجد” – الجراح اللي كان بيتابع حالة أمها في أيامها الأخيرة وزميل دراستها القديم في الجامعة. ما سألهاش ليه قاعدة بالشنطة والأسود على الرصيف، ولا ليه بتعيط، فتح باب العربية بوقار وقال بصوت هادي: ـ “اركبي يا يارا.
” هزت رأسها وقالت وهي بتبكي: ـ “أنا معيش مكان أروحه ولا معاية إيجار أدفعه.” أخدها لشقة هادئة فاضية تابعة لعيلته، وجاب لها علاج للتقلصات ومسكنات من الصيدلية، وحط كارت دكتورة نفسية على الطاولة وقال لها بصدق: ـ “يارا..
الإنسانة اللي جواكِ واللي كافحت عشان تعيش هي اللي مخلياكي واقفة على رجلك لحد دلوقتي وسحبتك من الضياع إمبارح.. ما تخذليش نفسك.” انهارت دفاعاتها وبكت لأول مرة بحرية وبصوت عالي، وأمجد سابها ووقف بعيد بفرسانه وأمان لحد ما هديت ونامت من كتر التعب.
بعد تلات أيام، عملت جنازة بسيطة جداً لأمها، ما كانش فيها غير الجيران القدامى وبعض زمايلها. ولما الناس بدأت تمشي، جه أدهم ببدلته السوداء ووشه أصفر وشاحب، ومعه حراسة وسكرتيره. وقفت يارا عند باب قاعة المناسبات ومنعته يدخل: ـ “ممنوع تدخل هنا.”


النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.