أخدت نصيبي وحطيته في حساب لعيالي، وخالد كمان عمل نفس الحقي، وعلاقتنا ببعض بقت أقوى وأعمق بكتير من الأول. بقينا نقعد كل أسبوع على نفس الترابيزة، نضحك ونفتكر أيام الغباء والعند، ونحمد ربنا إن الكارثة دي انتهت بأننا نرجع أحن على بعض من الأول.
أما مراتي.. الشريكة اللي وقفت جنبي في وقت الضيق من غير ما تنتظر كلمة شكر، بقت ملكة البيت بحق وحقيق. بقيت كل ما أشوفها بتصلي ولا بتدعي، أفتكر الليلة اللي سمعتها فيها في البلكونة وهي بتترجي أمي، وأحس إن ربنا رزقني بنعمة لو قعدت عمري كله أشكر ربنا عليها ما هكفيها حقها.
في يوم، واحنا قاعدين في البلكونة نشرب الشاي بالليل، وولادي نايمين جوه، بصتلي وقالت بابتسامة دافية: — بتفكر في إيه يا محمود؟ شكلك سرحان من بدري. بصيت لعيونها، مسكت إيدها وبستها وقلت بحب صادق: — بفكر في نفسي.. لو مكبرتش دماغي ومسمعتش لقلبي ذكاء، كنت زماني خسرت كل حاجة.
. خسرت أمي، وخسرت أخويا، وخسرتك إنتِ وأولادي، وكل ده عشان إيه؟ عشان كلمة كبرياء كدابة. حطت إيدها على وشي بحنان وقالت: — الإنسان بيتعلم يا محمود، ومفيش عيب في إن الغلط يصحيه، العيب إن الواحد يفضل مكمل في الغلط وهو شايف نهايته الخراب.
حــ,,ـــــضنتها، وبصيت للسماء، ودمعة شكر نزلت من عيني وأنا بقول في نفسي: «الحمد لله.. الحمد لله إن العند ما استمرش للأخر، وإن ربنا حبني لدرجة إنه صحاني من نومة الغرور قبل ما يفوت الأوان». الخاتمة الحقيقية لأي حكاية مش بتبدأ بنهاية الأحداث، بل ببداية الحياة اللي بعدها.
بعد مرور السنين دي كلها، وتحديداً في يوم عيد ميلاد أمي السبعين، كنا كلنا متجمعين في بيتها القديم.. البيت اللي شهد على دمعتنا وعلى فرحتنا. الشباشب بتاعة الولادي كانت مليانة في المدخل، وريحة الأكل الجميل كانت مالية الشقة، وضحكات العيلة كانت واصلة لآخر الشارع.
أنا وخالد كنا واقفين في المطبخ بنساعد مراتي في تحضير التورته، وبنضحك على مواقف زمان، لحد ما دخلت علينا أمي.. مشية ببطء، وابتسامتها الواسعة منورة وشها اللي خط الزمن فيه أحلى خطوط الرضا. قربت منا، وحــ,,ـــــضنتنا إحنا الاتنين مع بعض، وقالت بصوت دافئ مليان بالدموع والفرح: — أنا مش عارفة ربنا بيحبني قد إيه عشان يجمعني بكم بالشكل ده.
. أنتم مش بس ولادي، أنتم روح قلبي اللي رجعت لي سليمة. بصيت لعينين أمي، وبعدين بصيت لخالد، ولقيت مراتي واقفة بتطمش علينا بعيون لمعت فيها الدموع.. حسيت ساعتها بمعنى الآية الكريمة: (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا).
فهمت إن بر الأمهات والترابط بين الأخوات والبيوت العامرة بالحب، هما الكنز الوحيد اللي الإنسان بيخرج بيه من الدنيا دي. طفنا الشمع مع بعض، وأول شمعة طفتها أمي، تمنيت دعوة واحدة في قلبي: «يا رب..
احفظ لي عيلتي دي من كل شر، واجعلنا دايماً سند لبعض، وابعد عنا الشيطان والعند اللي بيخرب البيوت». الدنيا علمتني إن الراجل مش بشدته وعصبيته، ولا بتمسكه برأيه وهو غلطان.. الراجل الحقيقي هو اللي بيعرف يوطي راسه عشان يبوس إد أم تاهت منه، ويحــ,,ـــــضن أخوه، ويعرف قيمة الست اللي صبرت عليه ودارت عيوبه.
والحكاية دي خلصت.. بس حبنا لبعض.. هيفضل مكمل ليوم الدين.

النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.