. زميل قديم لخالد أخوك، وجاي لك في موضوع مهم يخص الوالدة ويهمكم كلكم. قلبي رجع دق بسرعة.. إيه تاني؟ هو لسه فيه أسرار مستخبية؟! بصيت ورايا لقيت خالد وأمي طلعوا على صوت الكلام، ومراتي وقفت في آخر الصالون وعنيها متعلقة بالراجل الغريب.
قلت بصوت ناشف: — اتفضل.. ادخل. دخل وقعد على الكنبة، وكلنا حواليه عيوننا متركزة عليه كأنه جيب بحقيقة تانية خالص. فتح الشنطة، وطلع منها أوراق قديمة، وبص لأمي وقال: — ازيك يا أم محمود.. زمان، من خمس سنين تقريبًا، جالي ابنك خالد وهو منهار، وطلب مني أساعده في الأزمة الكبيرة بتاعة الشركة.
. وأنا ساعدته وقتها بجهد، بس اللي مكنش حد يعرفه، إن الوالدة الله يطول في عمرها، لما لقتش فلوس كفاية عشان تنقذ ابنها، عملت حاجة تانية غير اللي انتم تعرفوها! كلنا بصينا لأمي بصدمة. أمي بلعت ريقها وقالت بصوت مرتعش: — إنت.. إنت بتقول إيه يا مهندس نبيل؟
!المهندس ابتسم بحزن وقال: — أنا جيت النهاردة عشان أرد الأمانة لأهلها. يوم ما خالد جه عندي، الوالدة مجتش بس عشان تاخد فلوس محمود.. دي جابت معها عقد البيت القديم اللي ورثته عن أبوها، وعرضت رهنه أو بيعه عشان تسد ديون خالد.
. وأنا رفضت آخد بيتها، بس اديتها مبلغ إضافي كقرض شخصي بضماني أنا، عشان أمنع خراب بيت ابنها.. والحمد لله، النهاردة، المشروع اللي دخلنا فيه زمان جاب أرباح خيالية، ونصيب أم محمود من الأرباح دي.. وصل المبلغ ده!
فتح الشنطة وطلع شيك بمبلغ ضخم جداً، وحطه على الترابيزة قدام أمي! كلنا اتجمدنا في مكاننا. أمي بكت بصوت عالي، وقالت وهي بترفع إيديها للسماء: — يا رب.. لك الحمد والشكر يا رب! المهندس نبيل كمل وقال وهو بيبص لي: — يا محمود.
. أمك مكنتش بتفضل أخوك على حسابك، أمك كانت بتمــ,,ـــــوت وهي بتحاول تنقذ العيلتين مع بعض، وكانت مخبية عنك حكاية البيت والأرباح عشان تسيبها لك مفاجأة يوم ما تقف على رجليك.. أمك دي مافيش زيها في الدنيا دي كلها.
بصيت لأمي، لقيتها بتعيط وهي باصة ليا بحب كوني ابنها اللي مهما كبر بيفضل طفلها الصغير. جريت عليها، وحــ,,ـــــضنتها بكل قوة، ودموعي نزلت من غير عتر ولا كبرياء. قلت بصوت مكسور من الفرحة: — أنا أسف يا أمي.
. ألف مرة أسف.. حقك عليا إني شكيت في قلبك الطاهر ده يوم واحد. أمي طبطبت على ظهري وقالت: — مفيش أسف بين الأم وضناها يا محمود.. العمر اللي اتعاش في العند راح، والمهم إننا عرفنا في الآخر إننا سند بعض، وإن مفيش في الدنيا أحن من حــ,,ـــــضن العيلة.
خالد جه وحــ,,ـــــضننا احنا الاتنين، ومراتي وولادي دخلوا في الحــ,,ـــــضن الكبير ده، وحسيت ساعتها إن الحكاية اللي بدأت بخصام أسود، انتهت بنور ودفء ماكنتش أتخيل في يوم إننا هنوصل له. مرت سنين على الليلة دي، كأنها كانت علامة فارقة في عمر عيلتنا.
البيت اللي كان في يوم من الأيام ماليان بالخصام والعناد والغيظ المكتوم، بقى بفضل الله واحة من السكــ,,ـــــينة والمحبة. أنا بقيت أشوف نفسي في المراية فخور بالراجل اللي بقيته.. مش الراجل اللي فاكر إن كرامته بتكمن في صوته العالي أو قراره اللي مبيراجعش، لأ.
. الراجل الحقيقي هو اللي بيعرف إمتى ينكسر قدام أمه، وإمتى يتراجع عن الغلط، وإمتى يحــ,,ـــــضن أخوه ومراته اللي استحملوا قسوته ومراره. المهندس نبيل، أم رفضت تاخد منه مليم واحد لنفسها، وقالت بالحرف: — الفلوس دي تتوزع بالعدل بين ولادي الاتنين، دي ثمرة صبر السنين، وتذكرة لكل واحد فيكم إن دعوة الأم والرضا هما رأس مال الإنسان الحقيقي.

النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.